الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

244

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الأهم مطلقا ولو كان بانيا على عصيانه وإخلاء الزمان عن الإتيان به فمما لا داعي إليه وليس في اللفظ ولا في العقل ما يقتضي ذلك فلا بد فيه من البناء على الإطلاق والاقتصار في الخروج عن مقتضى الأمر المتعلق به على القدر اللازم فإن قلت إن ترك الأهم لما كان مقدمة للإتيان بغير الأهم وكان وجوب الشيء مستلزما في حكم العقل لوجوب مقدمته بحيث يستحيل الانفكاك بينهما كما مر الكلام فيه كيف يعقل وجوب غير الأهم مع انحصار مقدمته إذن في الحرام فيلزم حينئذ أحد أمرين من اجتماع الوجوب والحرمة في المقدمة المفروضة أو القول بانفكاك وجوب المقدمة عن وجوب ذي المقدمة ولا ريب في فساد الأمرين قلت ما ذكرناه من كون تعلق الطلب بغير الأهم على فرض عصيان الأهم إنما يفيد كون الطلب المتعلق به مشروطا بذلك فيكون وجوب غير الأهم مشروطا بترك الأهم وإخلاء ذلك الزمان عن اشتغاله به ومن البين عدم وجوب مقدمة الواجب المشروط فلا مانع من توقف وجود الواجب على المقدمة المحرمة إذا توقف وجوبه عليها أيضا فإن قلت لو كانت المقدمة المفروضة متقدمة على الفعل المفروض تم ما ذكر لتعلق الوجوب من بعد تحقق شرطه فيصح تلبسه به وأما إذا كان حصول المقدمة مقارنة لحصول الفعل كما هو المفروض في المقام فلا يتم ذلك إذ لا وجوب للفعل المفروض قبل حصول مقدمة وجوبه فلا يصح صدوره عن المكلف وقد مرت الإشارة إلى ذلك قلت إنما يتم ذلك إذا قيل بلزوم تقدم حصول الشرط على المشروط بحسب الوجود وعدم جواز توقف الشيء على الشرط المتأخر بأن يكون وجوده في الجملة كافيا في حصول المشروط وأما إذا قيل بجواز ذلك كما هو الحال في الإجازة المتأخرة الكاشفة عن صحة عقد الفضولي وتوقف صحة الأجزاء المتقدمة من الصلاة على الأجزاء المتأخرة منها فلا مانع من ذلك أصلا فإذا تيقن المكلف على حسب العادة بحصول الشرط المذكور تعلق به الوجوب وصح منه الإتيان بالفعل فإن قلت من أين يستفاد كون الشرط الحاصل في المقام من هذا القبيل حتى يصح الحكم بصحة الفعل المفروض مع أن مقتضى الأصل الأوّلي انتفاء الصحة قلت إن ذلك أيضا قضية إطلاق الأمر المتعلق بالفعل إذ أقصى ما يلزم في حكم الفعل تقييده بصورة الإتيان بالأهم وأما مع خلو زمان الفعل عن الاشتغال به بحسب الواقع فلا مانع من تعلق التكليف بغير الأهم فإذا علم المكلف ذلك بحسب حاله لم يكن هناك مانع من اشتغاله بغير الأهم ولا من تكليفه بالإتيان به ولا قاضي إذن بالالتزام تقييد الإطلاق بالنسبة إليه فإن قلت إن جميع ما ذكرت إنما يتم فيما لو كان الصارف عن الإتيان بالأهم أمرا خارجيّا سوى الاشتغال بغير الأهم إذ لا مانع حينئذ من تعلق التكليف به كذلك وصحة الإتيان به على حسبما ذكر لكن إذا كان الصارف عنه هو الاشتغال بغير الأهم بحيث لولا إتيانه به لكان إتيانا بالأهم فيشكل الحال فيه إذ المفروض توقف صحة غير الأهم على خلو الزمان عن الاشتغال بالأهم وتوقف خلوه عنه على الاشتغال بغير الأهم فإن تركه إنما يتفرع على الاشتغال به قلت إن خلو الوقت عن الأهم لا يتفرع على فعل غير الأهم بل على إرادته فإن إرادته حينئذ قاضية بعدم إرادة الآخر وهو قاض بعدم حصوله فلا يتوقف وجوب الفعل على وجوده ويشكل حينئذ لزوم اجتماع الوجوب والتحريم حينئذ في الإرادة المتعلقة بغير الأهم فإنها محرمة من جهة صرفه عن الأهم واجبة من جهة توقف الواجب عليها ولا يمكن القول بتوقف وجوب الفعل على إرادته ليكون وجوب ذلك الفعل مشروطا بالنسبة إليها على حسبما أجيب سابقا لكون الإرادة سببا قاضيا بحصول الفعل أو جزءا أخيرا من العلة التامة ولا وجه لاشتراط الوجوب بالنسبة إلى شيء منهما حسبما مرت الإشارة إليه ومن هنا يتجه التفصيل بين الوجهين والحكم بالصحة في الصورة الأولى دون الثانية وقد يدفع ذلك بمنع كون الصارف عن الأهم هو الإرادة الملزمة للفعل أعني الإجماع عليه بل الشوق أو العزم السابقان عليه كافيان في ذلك ولا مانع من تقييد الوجوب بالنسبة إلى شيء منهما إذ ليسا سببين لحصول الفعل ولا جزءا أخيرا من العلة وتحقيق ذلك أن يقال إن الصارف عن الأهم إنما هو عدم إرادته وهو ليس مسبّبا عن إرادة غير الأهم بل هو مما يتوقف عليه الإرادة المفروضة نظرا إلى حصول المضادة بينهما فيتوقف وجود كل منهما على انتفاء الآخر حسبما مر فنقول إن الشوق أو العزم المتقدمين على الإرادة اللذين هما شرط في تحققها قد أوجب انتفاء الإرادة المفروضة فغاية الأمر حصول الاشتراط بالنسبة إلى أحد الأمرين المذكورين أو ما يتفرع عنهما من الصارف المذكور فتأمل هذا وقد يتخيل في المقام تفصيل آخر وهو الفرق بين ما إذا كان الاشتغال بالضد رافعا للتمكن من أداء الواجب حينئذ وما إذا بقي معه التمكن منه فيصح له ترك الضد والاشتغال بالواجب مهما أراد فقوله في الصّورة الأولى بفساد الإتيان بالضد إذا كان عبادة موسعة أو مضيقة بخلاف الصورة الثانية والفرق بينهما أن رفع التمكن من أداء الواجب بعد اشتغال الذمة به محظور في الشريعة فلا يجوز حينئذ للمكلف أن يرفع مكنته من أداء ما كلف به كما هو معلوم من ملاحظة العقل والنقل فلا يصح الإتيان بالفعل الرافع لها من جهة النهي المذكور بخلاف غيره وفيه أن رفع التمكن من الواجب أنما يكون محظورا من حيث أدائه إلى ترك المطلوب فإذا كان الصارف عن أداء الواجب موجودا قطعا بحيث لا يستريب المكلف في تركه له فأي ثمرة في بقاء المكنة منه فيكون منعه من الإتيان بالفعل الرافع للمكنة أنما هو من جهة أدائه إلى ترك الواجب فالنهي المتعلق به غيري أيضا وهو غير قاض بالفساد في المقام حسبما قررنا لوضوح أن مقصود الشارع من ترك الفعل المفروض هو التمكن من فعل الواجب فيأتي به وأما إذا قطع بعصيانه وإخلاء ذلك الوقت عن الفعل المفروض فلا مانع من تعلق أمر الشارع به فيكون مأمورا بإيجاده ذلك على فرض عصيانه للأمر الأول فيكون ترك ذلك شرطا في وجوبه على حسبما بينا والنهي المتعلق به من جهة كونه سببا لارتفاع التمكن من الآخر ليس بأقوى من النهي المتعلق به لكون تركه مقدمة لأداء الواجب فكما أن ذلك النهي لا يقضي بفساده حسبما بينا فكذا النهي المتعلق به من جهة أدائه إلى ارتفاع التمكن من أداء الواجب لكونه نهيا غيريا على نحو النهي الآخر فاجتماع النهيين المذكورين في الصورة المفروضة على فرض تحققه لا ينافي وجوب ذلك الفعل على الوجه الذي قررناه ولنتمم الكلام في المرام برسم أمور أحدها [ فيه ذكر كلام شيخنا البهائي في تبديله عنوان المسألة وما يرد عليه أو يورد . ] أنه ذكر شيخنا البهائي قدس سره أنه لو أبدل عنوان المسألة بأن الأمر بالشيء يقتضي عدم الأمر بضده فيبطل لكان أقرب والوجه فيه سهولة الأمر حينئذ في أخذ المسألة لظهور عدم جواز الأمر بالضدين في آن واحد وترتب الثمرة المطلوبة من تلك المسألة عليه إذ المتفرع على القول بدلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده فساد العبادة الموسعة الواقعة